محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
489
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
والمعنى : ولقد علموا الذي اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ، كما تقول : لقد علمت الذي جاءك ما له من عقل . قال ابن جرير : ولقد علموا بمعنى اليمين ( 213 آ ) ولذلك كانت « من » في موضع رفع ، أي واللّه لمن اشترى السحر ما له من خلاق ؛ ولكن قوله : وَلَقَدْ عَلِمُوا بمعنى اليمين أجيب بلام اليمين ، وقيل : لَمَنِ اشْتَراهُ كما يقال : اقسم لمن قام خير ممّن قعد ؛ وأمّا « من » « 1 » فهو حرف الشرط ؛ وإنّما قيل : اشتراه ولم يقل : يشتره لدخول لام القسم على « من » ؛ ومن جعل « من » بمعنى الذي كان اللام للتأكيد لا للقسم . وقوله : وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ « 2 » قال مقاتل والضحّاك والسدّي وابن عبّاس : ولبئس ما باعوا به حظّهم من الجنّة ؛ إذ لو كانوا أهل علم بالتوراة أي لما باعوا ذلك بالسحر ؛ وقال ابن عبّاس في رواية عطاء : لو كانوا يعلمون ما عملوه ويفهمون ؛ وقال : يريد أنّهم باعوا أنفسهم بسخط اللّه ؛ وقال في رواية أبي صالح : لو كانوا يعلمون ولكن لا يعلمون ؛ وتأويل الكلام : علموا على الجملة أنّ من تعاطى ذلك لا خلاق له ولم يعلموه على التفصيل ؛ وقيل : أثبت العلم للأحبار ، ونفاه عن العوام أو أثبته للشياطين ونفاه عن اليهود ؛ وقيل : معناه لم يعملوا بما علموا فصاروا كمن لا يعلم ، كما ورد في الخبر : « يهتف العلم بالعمل ؛ فإن أجاب وإلّا ارتحل عنه » 573 . القصّة وأمّا قصّة هاروت وماروت على قول من قال : إنّهما ملكان فسّر هبوطهما عن قول الكلبي وهو : أنّ اللّه - جلّ وعزّ - أطلع الملائكة على معاصي بني آدم ، فعجبوا من معصيتهم مع كثرة إنعامه عليهم . فقال اللّه تعالى لهم : أما إنّكم لو كنتم مثلهم لعملتم مثل أعمالهم ، فقالوا : كلّا ، ثم اختاروا من الملائكة أورعهم وأزكاهم ملكين وأهبطهما اللّه تعالى إلى الأرض ، وركّب فيهما الشهوة وأعطاهما القضاء بين الناس ، ونهاهما عن الشرك باللّه - عزّ وجلّ - والزنا والسرقة وشرب الخمر . فلم يمض من الزمان إلّا قليل حتّى تحاكمت إليهما امرأة تسمّى بالعربية الزهرة وبالفارسية « بيدخت » وكانت من أجمل النساء ؛ فعرضت نفسها عليهما بأن
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : النحو . ( 2 ) . في الهامش عنوان : التفسير .